الجمعة 4 ربيع الأول 1447هـ 29 أغسطس 2025
موقع كلمة الإخباري
محذورية ترك الصلاة في هدم الدين والقيم
حسن الهاشمي
2025 / 08 / 29
0

إن لترك الصَّلاة والتهاون بها عواقب وخيمة وخطيرة تنتظر الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، فالله تعالى لا يُبارك في عمر التارك للصلاة، ولا يوفقه للخيرات الأخرى، لذا ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (الصلاة عماد الدين من صلاها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين) بحار الانوار للمجلسي، ج 82، ص 202. أي إنَّ جميع الخيرات التي تصدر من لدن الإنسان تكون غير مقبولة، بل لا يترتب عليها الأثر، لأنه ترك العمود، وهذا شبيه بعمود الخيمة، الذي بدونه تسقط الخيمة كلها، وكذلك كل الأعمال الصالحة تُقبل وتؤثر بواسطة قبول الصلاة، فإذا تُركت الصلاة، فإنّ كل تلك الخيرات الأخرى وإن صدرت من تارك الصلاة فلا يترتب عليها أي أثر. 

المتتبع للنصوص الدينية يقف على ان الصلاة هي الركن الأساسي في بناء الدين، كما أن العمود يُقيم الخيمة، فكذلك الصلاة تُقيم الدين، إذا كانت الصلاة صحيحة ومقبولة عند الله، فإن بقية الأعمال من صوم وزكاة وحج وغيرها تُقبل أيضا، وإذا كانت الصلاة مرفوضة (لفسادها أو تركها)، فإن الأعمال الأخرى تُرد ولا تُقبل، مهما بدت عظيمة، قال الإمام الصادق (ع): (أول ما يُحاسَب به العبد الصلاة، فإن قُبلت قُبل سائر عمله، وإن رُدّت رُدّ عليه سائر عمله) من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج1، ص 208. تؤكد الرواية على أهمية الصلاة كمقياس لقبول سائر العبادات، فيها دعوة للاهتمام بالصلاة من حيث النية، الوقت، الخشوع، الصدق، والأثر السلوكي على المصلي في الاتيان بالواجبات وترك المحرمات.

إن أمرا بهذا المستوى من الخطورة يمكن ان نعده الخيمة التي نستظل بها والعمود التي تقي الخيمة من السقوط، بل أنه الأس والأساس في البناء وبدونه فالدين ينهدم ويتلاشى، فهو مدعاة لكل ذي لب أن يتمسك به ويتحاشى تركه، لأنه لا حياة لمن لا مأوى له ولا سعادة لمن لا دين له، فالحياة والسعادة فيها مرهونة بإقامة الصلاة وتركها لا محالة يؤدي إلى هدم الدين والدنيا، ولا خير في حياة يرفع الله تعالى البركة فيها وآخرة تلفح وجه صاحبها نارا لا تبقي ولا تذر.

عبارة (الصلاة قربان كل تقي) هي قول مأثور عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الخصال للصدوق: ٢ / ٦٢٠ / ١٠. تفيد بأن الصلاة هي الطريقة التي يتقرب بها كل مؤمن متقٍ إلى الله، هذه المقولة تؤكد على أهمية الصلاة كعبادة أساسية ترتقي بالمسلم إلى درجة التقوى وتُعدّ تعبيرا عن إيمانه وعمله الصالح، وإذا أخذنا مفهوم المخالفة فان ترك الصلاة قربان كل فاجر، أي ان تارك الصلاة يتقرب الى الفجور والظلم والفساد، وكيف لا يكون كذلك وانه يعطي زمام نفسه الأمارة بالسوء الى هواه ورغباته الشيطانية دونما رادع يردعه أو زاجر يزجره عن تلك الموبقات التي يقترفها. 

الصلاة هي الوسيلة التي يتقرب بها المتقون إلى الله، وهي علامة على صفاء القلب وصدق الإيمان، فهي ليست مجرد طقس، بل تعبير عن الارتباط بالله والخضوع له، وتارك الصلاة يجعل من هذا الترك دليلاً على فسقه وبعده عن الله، وكأنّ الفاجر يقدّم تركه للصلاة كتعبير عن تمرّده على اهم ركن من اركان الإسلام، فالذي لا يصلي، يُظهر انفصاله عن روح الدين، فالصلاة ميزان بين التقوى والفجور، وإقامتها علامة حياة القلب، وتركها علامة موته، فهي ليست فقط فرضا شرعيا، بل صلة حقيقية بالله.

ومن الآثار الأخرى لترك الصلاة أنه لا يوفق في دعاء الصالحين المؤمنين، وتنتزع البركة عن عمر الإنسان بحيث لا تترتب على الأعمال الصالحة التي صدرت منه في حياته أي أثر حيوي سواء أكان دنيويا أو أخرويا، فتبقى آثار تركه للصلاة تلفحه في الحياة الدنيا، أما بعد موته فيتلاشى كل شيء ولا يبقى منها أي أثر، وقد يكون نزع البركة من عمره بمعنى حرمانه من الذرية الصالحة، التي تدعو له، لأنه قد يُوفق الإنسان في ذرية صالحة بحيث يمكن أن يأتي أحد أولاده أو أحفاده فيدعو لهذا الإنسان ويعمل له الطاعات وأعمال البر، التي ترجع عليه بالفائدة والنفع الكبير، ولكن الإنسان التارك للصلاة لا يكتب الله تعالى في ذريته البركة ويكون من المخذولين. 

ولابد من التأكيد على أنّ الله تعالى في القرآن الكريم قال: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) الماعون:4-5. جاء في بعض التفاسير ان (ويل) كلمة تهديد شديد، وقد فسّرها بعض الأئمة (ع) بأنها وادي في جهنم، يُعدّ للعذاب الأليم، ومن هنا نعلم أن مجرد أداء الصلاة لا يكفي، إن لم تُؤدَّ بالشكل الصحيح والخاشع، أما الذين يغفلون عنها، أو لا يُقيمونها في وقتها، أو يؤدونها بلا حضور قلب فهم الساهون، والسهو المقصود هنا ليس النسيان العارض، بل التهاون الدائم، والمعنى تحذيري: الاهتمام بالصلاة لا يكون بالشكل فقط، بل بالروح والوقت والخشوع، ومن ترك الصلاة أو أخرها عمدا أو صلّاها بلا مبالاة، فهذه الآية تهدده.

الله تعالى يريد أن يفرّق بين الإنسان المسلم الذي يترك الصلاة متهاوناً، ويستحق العذاب والنار، ولكنه لا يخلد فيها، وبين ذلك الذي يجحد وينكر وجوب الصلاة، فهو كافر، مخلّد في النار، ولا يخرج منها، ومن هنا نعرف أنّ شفاعة النبي وأهل بيته عليهم السلام، لا تشمل ذلك الإنسان الكافر والجاحد بوجوب الصلاة، بينما هذه الشفاعة تشمل الإنسان المتهاون بالصلاة إذا لطف الله به وكان مستحقاً لهذه الشفاعة، وقد لا تدركه الشفاعة إلا بعد المئات من السنين التي يعذب فيها بالنار ويكون من اللابثين فيها أحقابا.

مثلما إن لترك الصلاة نوازل وصواعق تصيب الفرد في خلقه وأخلاقه وسيرته وسلوكه، لا يخفى عليكم أن اتيان الصلاة بمثابة هجرة روحية، يطوي الإنسان فيها فواصل البعد بينه وبين الله تعالى، وممارسة تعبدّية يستهدف بها اكتشاف العلاقة بينه وبين بارئه عزّ وجل، ففي الصلاة يكون الإنسان المؤمن في موارد القرب والحب الإلهي العظيم، وفي الصلاة يعلن عن تصاغره وعبوديته لخالقه، وفي الصلاة تتسع أمام الإنسان المؤمن آفاق العظمة والقدرة الإلهية، وفي الصلاة يتجسّد للإنسان فقره وضعفه وحاجته إلى غنى بارئه وتتابع إفاضاته ورحمته، وفي الصلاة تهبط الحجب بين العبد وربّه، فتفيض اشراقات الحب والجمال الإلهي على النفس، لتعيش أسعـد لحظات الاستمتاع والرضى، وهي في أرقى ما تكون من حالات الصحو الوجداني، والاستعداد للتلقّي والقبول التعبّدي، وفي الصلاة عودة للوعي، واكتشاف لحقيقة الذات، ومعرفة قدرها أمام خالقها العظيم.

وفي هذه الهجرة المباركة حيث الكدح إلى المطلق، ندع خلف ظهورنا تداعيات الشر والمنكر والعدوان من دون رجعة، لأن الكادح إلى النقاء والطهر والصفاء لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يحتطب الذنوب والمعاصي والآثام، لاختلاف السنخية في الغاية والوسيلة وهذا ما لا يمكن تصوره إلا في حالات النفاق والغدر والمكر والخيانة، وهي بعيدة كل البعد عن العروج الالهي الذي لا يزال صاحبه يرتقي سلم المجد ليصل إلى مبتغاه، ريثما يعيش الصفاء بأبهى صوره ويأبى كل شائبة تلوث السائر والمسير والمصير، والله تعالى بصير بالعباد مطّلع على السرائر والظواهر والآمال، يتقبل ما هو الصالح من الأعمال، ولا تنطلي عليه الخدع والأضاليل والأباطيل من سير أهل الفسق والفجور والأهوال.




التعليقات