الجمعة 4 ربيع الأول 1447هـ 29 أغسطس 2025
موقع كلمة الإخباري
هل يمكن فصل العلم عن الأخلاق؟ تأملات في الوجه الآخر للتطور
الشيخ مقداد الربيعي
2025 / 08 / 29
0

رغم الإنجازات المبهرة التي حققها العلم الحديث في تحسين جودة الحياة البشرية وتطوير مختلف جوانبها، إلا أن هناك جانباً آخر مظلماً لهذا التقدم يتجاهله غالباً المتحمسون للنزعة العلموية، أو المفرطون في تمجيد العلم وتقديسه. فإذا طبقنا المنطق نفسه الذي يستخدمه هؤلاء المغالون، نكتشف أن التطور العلمي لم يجلب للبشرية المنافع فحسب، بل جلب معه أيضاً أضراراً جسيمة ومخاطر غير مسبوقة، جعلت الإنسان المعاصر يعيش في حالة من القلق الوجودي والاغتراب عن ذاته وعن بيئته الطبيعية.

هذه النظرة النقدية للعلم لا تعني بالضرورة رفضه أو التقليل من شأنه، بل هي دعوة للتعامل معه بوعي وتوازن، ضمن منظومة قيمية وأخلاقية تضبط مساره وتوجه تطبيقاته نحو ما يخدم الإنسانية ويحقق سعادتها.

بدأت الشكوك حول الآثار السلبية للتطور العلمي في الظهور مبكراً، حيث تنبه بعض المفكرين منذ القرن التاسع عشر إلى المخاطر المحتملة للتقدم العلمي غير المنضبط بقيم أخلاقية. وفي بداية القرن العشرين «راح عدد غير قليل من المراقبين يشعرون بأن من شأن مثل هذه التطورات أن تكون نُذر شؤم ممهدة لقلب القيم الإنسانية رأسًا على عقب» [آلام العقل الغربي، ريتشارد تاباس، ٤٣٢].

ومن المفارقات الدالة أن أحد أبرز منتقدي العلم كان أينشتاين نفسه، أحد أهم العلماء في التاريخ البشري، حيث قال عن العلم: «إنه لم يستخدم حتى اليوم إلا في خلق العبيد، ففي زمن الحرب يستخدم في تسميمنا وتشويهنا، وفي زمن السلم يجعل حياتنا منهوكة ومرهقة» [دفاع عن العلم، باييه، ٣٦].

ومع منتصف القرن العشرين، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية واستخدام القنبلة الذرية في هيروشيما وناجازاكي، بدأت الصورة المثالية للعلم كمنقذ للبشرية تتهاوى. يقول مؤلفا كتاب "انتحار الغرب": «كان الاعتقاد السائد أن العلم سيقدم للعالم فوائد هائلة، وكان يُنظر إليه على أنه قادر على الوفاء بهذه التوقعات... لكن قبل ذلك، ظهر تيار مضاد قوي في التقييم العام للعلم، وهو التيار الذي بدأ في السنوات التي فصلت بين الحربين العالميتين - الأولى والثانية... وفحواه أن العلم ينزع عن الإنسان خصائصه الإنسانية، وأنه كان أداة سهلة للغاية في أيدي المستبدين ومانحاً الامتيازات للنخبة. وقد تضاعفت الشكوك في العلم بشكل كبير، وتعمقت نتيجة لفظائع هيروشيما. وقد عبّر العلماء البارزون أنفسهم عن شكوكهم، فقال أينشتاين بعد هيروشيما: «لو كنت أعرف أنهم يستعملون هذا، لكنت عملت صانع أحذية» [انتحار الغرب، ١٣٩ - ١٤٠].

ومن أبرز الآثار السلبية للتطور العلمي تقويضه للقيم الإنسانية وإفراغه للحياة من معناها العميق. فقد أدى التقدم التكنولوجي الهائل إلى تحويل الإنسان من كائن حي ذي قيمة إلى مجرد ترس في آلة إنتاجية ضخمة، وإلى سلخه عن جذوره الطبيعية وتراثه الثقافي.

وقد وصف ريتشارد تارناس هذا الجانب المظلم للتقدم العلمي بدقة بالغة، مبيناً كيف أصبح الإنسان المعاصر يعيش في بيئة اصطناعية معقدة تفتقر إلى الجمال والدفء، وكيف تحولت حياته إلى سلسلة من المشكلات التقنية التي يتم التعامل معها بشكل آلي، على حساب الاستجابات الوجودية العميقة.

تضاءلت فردية الإنسان وذاتيته تحت وطأة الإنتاج الجماهيري والإعلام الاستهلاكي، وتعرضت منظومة القيم التقليدية للتفكك والانهيار، وأصبحت الحياة البشرية تتسم بإيقاع متسارع من التغيير يفوق قدرة الإنسان على التكيف والاستيعاب. وقد أدى كل ذلك إلى حالة من الاغتراب والتشيؤ، حيث أصبحت قدرة الإنسان على الاحتفاظ بإنسانيته في هذه البيئة التكنولوجية المعقدة موضع شك متزايد [انظر: آلام العقل الغربي، ٤٣٢].

امتدت الآثار السلبية للتطور العلمي لتشمل البيئة الطبيعية بكل عناصرها. فمنذ الستينيات «بدأت الدلائل تتراكم وتشير إلى أن انتصارات العلم كانت قد بدأت من قبل في تسميم ماء الكوكب وهوائه وتربته» [انتحار الغرب، ١٣٩ - ١٤٠].

أدت التطبيقات الصناعية للتكنولوجيا الحديثة إلى تلوث شامل للهواء والماء والتربة، وإلى ظهور أمراض جديدة مستعصية على العلاج، وإلى انقراض أنواع كثيرة من الكائنات الحية. كما تسببت في القضاء على مساحات شاسعة من الغابات، وتآكل التربة، واستنزاف المياه الجوفية، وتراكم النفايات السامة، مما أدى إلى اختلال خطير في التوازن البيئي العام للكوكب.

هذه النتائج المدمرة للتطور العلمي غير المنضبط تكشف عن المفارقة المرة التي وصل إليها الإنسان المعاصر: فبدلاً من أن يكون العلم أداة لتحسين حياته على الأرض، أصبح يهدد بتدمير هذه الحياة وجعلها مستحيلة.

ومن أخطر إفرازات التطور العلمي صناعة أسلحة الدمار الشامل القادرة على إبادة البشرية والقضاء على الحياة على كوكب الأرض.

فقد أسهم التقدم العلمي في تطوير أسلحة نووية وكيميائية وبيولوجية ذات قدرة تدميرية هائلة، تكفي لمحو حضارة الإنسان وتاريخه بضغطة زر.

هذا البعد الكارثي للتطور العلمي يكشف خطورة فصل العلم عن المنظومة القيمية والأخلاقية، ويبرز الحاجة الملحة إلى ضوابط أخلاقية وقيمية توجه مسار البحث العلمي وتضبط تطبيقاته، بعيداً عما يدعو إليه المغالون في تقديس العلم من فصله عن القيم والدين.

يصف الدكتور ريتشارد تارناس الوضع الراهن للعلم وأزمته الحالية بقوله: «إن التعاقب العظيم لانتصارات العلم وتقدمه التراكمي بات الآن مُظَلَّلًا بإحساس جديد بحدود هذا العمل ،وبمخاطرة وباحتمال تحميله المسؤولية وتجريمه، وجد العقل العلمي الحديث نفسه هدفا للهجوم من جبهات كثيرة، دفعة واحدة جبهة الانتقادات المعرفية وجبهة المشكلات النظرية الذاتية المنبثقة في عدد متنام من المجالات، وجبهة الضرورة السيكولوجية الملحة المتزايدة لرأب الصدع الحاصل في النظرة الحديثة إلى عالم الإنسان وفوق هذه وتلك جبهة عواقبه السلبية وتورطه العميق في أزمة كوكب الأرض» [آلام العقل الغربي، ٤٣٤].

ويختم حديثه عن أزمة العلم المعاصر بقوله: «إن الإيمان المتفائل بإمكانية الخروج من مأزق العالم عبر التقدم العلمي والهندسة الاجتماعية قد خاب مرة أخرى، يقف الغرب على عتبة الكفر، لا بالدين هذه المرة، بل بالعلم وبعقل الإنسان المستقل» [المرجع السابق، ٤٣٥].

وفي السياق نفسه، يطرح ريموند فوسدك المعضلة الأخلاقية التي يواجهها العلم المعاصر فيقول: «إن العلم يواجه ورطة شديدة، فالعلم البحث عن الحقيقة وأساس العلم العقيدة الراسخة بأن الحقيقة تستحق الاكتشاف، وأن البحث عنها إنما ينبع من أشرف صفة من صفات الروح الإنسانية، ومع ذلك فهذا البحث عن الحقيقة هو نفسه الذي جعل حضارتنا تقترب من حافة هاوية الدمار.

وعندما نواجه الآن السخرية التي تحولت إلى مأساة وهي أننا كلما نجحنا في توسيع آفاق معرفتنا كان ذلك نذيرًا بقرب الخطر الذي يهدد بالقضاء المبرم على الحياة البشرية على هذا الكوكب.

فهذا السعي وراء الحقيقة أمدنا في آخر الأمر بالأدوات التي تمكننا من هدم مجتمعنا بأيدينا والقضاء على كل الأمال المشرقة لجنسنا؛ ما عسانا فاعلين في هذا الموقف؟! هل نكبح جماح العلم أم نتمسك بطلب الحقيقة رغم ما في ذلك من تمزيق وتبديد لمجتمعنا ؟!» [العلم أسراره وخفاياه، مجموعة من المؤلفين، ٧٢٠/٣].

ونظراً للمخاطر الجسيمة التي يمكن أن تنجم عن التطور العلمي غير المنضبط، دعا العديد من المفكرين إلى ضرورة تأسيس ميثاق أخلاقي ملزم للعلماء، يضمن توجيه البحث العلمي نحو ما يخدم الإنسانية ويجنبها الأخطار المحتملة.

وقد برزت في هذا السياق فكرة "مسؤولية العالم"، التي تضيف مهمة جديدة للباحث العلمي تتمثل في التفكير بعمق في العواقب الأخلاقية والاجتماعية والبيئية لبحثه، والتوقف عن متابعته إذا تبين له أنه سيؤدي إلى نتائج سلبية خطيرة على البشرية أو البيئة. ذلك أن تأثير الاكتشافات العلمية في عصرنا الحالي لم يعد محصوراً في نطاق ضيق، بل أصبح عالمياً وشاملاً وممتداً عبر الأجيال.

من المثير للدهشة أن المغالين في تمجيد العلم، عندما تُعرض عليهم الأدلة على الآثار السلبية والمدمرة للتطور العلمي، يسارعون إلى التنصل من هذه النتائج بالقول إنها ناجمة عن سوء استخدام العلم وليس عن العلم نفسه. وهذا يكشف عن تناقض منهجي واضح في موقفهم، إذ كيف يمكنهم الادعاء بأن العلم قضى على الأديان وأنه يدعم مواقفهم الإلحادية، ثم يرفضون في الوقت نفسه ربط العلم بآثاره السلبية والتدميرية؟!

هذا التناقض المنهجي يؤكد أن موقف هؤلاء من العلم ليس موقفاً موضوعياً نزيهاً، بل هو موقف أيديولوجي انتقائي، يأخذ من العلم ما يخدم توجهاتهم الفكرية المسبقة، ويترك ما يتعارض معها.

إن المنهج العلمي، رغم أهميته وضرورته، لا يكفي وحده لقيادة البشرية نحو حياة كريمة سوية. بل لا بد من تكامله مع مصادر معرفية أخرى، وانضباطه بمنظومة قيمية وأخلاقية توجه مساره وتضبط تطبيقاته، لكي يحقق للإنسان ما يصبو إليه من سعادة وازدهار، بعيداً عن المخاطر والآثار السلبية التي يمكن أن تنجم عن التطور العلمي غير المنضبط.



التعليقات