لم تكن النزعة الدموية يوماً طارئة على بنية الكيان، بل هي عقيدة متجذرة تطفح بها سردياتهم التاريخية والنصوص التي يتبنونها. ومع ذلك، يقف العالم اليوم أمام صدمة من نوع آخر صدمة المأسسة القانونية للقتل، إثر تمرير الكنيست قانوناً يشرعن إعدام الأسرى الفلسطينيين بأغلبية 62 صوتاً، في خطوة تنقل التصفية الجسدية من وحشية الميدان إلى المشانق الدستورية!
هذا التشريع، الذي هندسه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بغطاء سياسي من بنيامين نتنياهو، يمثل انقلاباً استراتيجياً في سلوك الكيان. فبعد عقود من التظاهر بتجميد عقوبة الإعدام تماهياً مع المنظومة الأوروبية، تخلع تل أبيب اليوم قناعها لتتبنى التصفية المقننة كسياسة دولة معلنة.
وتكمن الخطورة لهذا القانون في بنيته الإجرائية التي صُممت لتسريع الموت وسد نوافذ النجاة، إذ أسقط شرط إجماع قضاة المحكمة العسكرية لإصدار حكم الإعدام، وألغى الحاجة لطلب رسمي من المدعي العام العسكري. والأخطر من ذلك، تجريده للحاكم العسكري للضفة الغربية من صلاحيات العفو أو تخفيف العقوبة، وتعديل قانون الحكومة لمنعها من الإفراج عن أي أسير محكوم بالإعدام. هذا البند تحديداً يمثل إعداماً استباقياً لأي صفقة تبادل أسرى في المستقبل.
وإمعاناً في التنكيل، نص القانون على تنفيذ الإعدام شنقاً خلال 90 يوماً من صدور الحكم النهائي، مع إمكانية تمديدها لمرة واحدة بقرار حصري من رئيس الوزراء، على أن يقبع المحكوم طيلة هذه الفترة في عزل انفرادي تام تحت الأرض، محروماً من أي زيارة أو تواصل حتى لحظة صعوده إلى منصة الإعدام.
نحن هنا أمام تكريس قانوني صارخ لنظام الفصل العنصري (الأبارتهايد). فالقانون فُصّل ليُطبق حصرياً عبر المحاكم العسكرية التي يرزح تحتها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما يُستثنى المستوطنون والإسرائيليون تماماً لكونهم يخضعون للقضاء المدني. المعادلة باتت واضحة: الجاني الإسرائيلي في مأمن من المشنقة مهما أوغل في الدم، بينما يواجه الفلسطيني حتمية الإعدام.
لقد نجح اليمين الديني المتطرف في ترجمة وعوده الانتخابية إلى واقع، محققاً نصراً أيديولوجياً كبيراً. لكن براغماتية نتنياهو تدخلت لتفريغ التشريع من لغمه الأكبر، عبر منع إقراره بأثر رجعي. هذه المناورة التي استثنت آلاف الأسرى الحاليين وحصرت القانون في الاعتقالات الجديدة، لم تكن صحوة قانونية، بل محاولة خبيثة لإبقاء شعرة معاوية مع العواصم الأوروبية، وتأجيل انتفاضة السجون الشاملة التي كانت ستشعل الأراضي الفلسطينية لو عُلقت المشانق للأسرى القدامى.
على المستوى الدولي، فضح هذا الإقرار حجم التصدع بين تل أبيب وحلفائها التقليديين. ففي حين سارعت أربع عواصم أوروبية (لندن، باريس، برلين، روما) إلى إدانة القانون والمطالبة بإلغائه تحت طائلة التلويح بالعقوبات، اختارت واشنطن موقفاً متواطئاً بغلاف دبلوماسي، حيث أعلنت خارجيتها احترامها لحق إسرائيل في تحديد قوانينها. هذا الموقف الأمريكي يمثل ضوءاً أخضر وغطاءً سياسياً صريحاً لاستمرار المقصلة التشريعية دون خشية من أي ضغط حقيقي.
فلسطينياً، لم تتأخر الساحة عن الرد بإعلان الإضراب الشامل وتصعيد الاحتجاجات. هذا التشريع يضع السلطة الفلسطينية والنظام العربي أمام عبء تاريخي ثقيل، فهو ينسف أي وهم متبقٍ لبناء الثقة، ويحول الأسرى المستقبليين إلى مشاريع إعدام مؤجلة. الأهم من ذلك، أنه يؤسس لمرحلة جديدة ستكون فيها أي مواجهة قادمة أشد ضراوة ودموية، فمن يواجه حتمية المشنقة لن يبقي للعدو خطوطاً للتراجع.
إن إقرار هذا القانون في أواخر آذار 2026 يمثل إعلاناً رسمياً بتدشين الكيان لمرحلة الدولة الأمنية القصوى، حيث تُستخدم المشنقة كأداة ردع دستورية. إنه ليس تشريعاً جنائياً يبحث عن العدالة، بل هو سلاح استراتيجي صُمم لقتل فكرة التبادل، ومحاولة بائسة لكسر إرادة المقاومة، وتكريس أبشع صور الفصل العنصري بقوة القانون.