الأربعاء 12 شوّال 1447هـ 1 أبريل 2026
موقع كلمة الإخباري
كيف يتعامل السيستاني مع الحروب الإقليمية؟
حسين صباح
كاتب وباحث في الشأن الإسلامي والسياسي
2026 / 04 / 01
0

في الحرب، تشتعل الخرائط وتتعدد خطوط النار، حيث تُقرع طبول الإبادة في المنطقة، عندها.. تتجه الأنظار دائماً صوب النجف الأشرف، إلى ذاك الزقاق الضيق الذي يقطن فيه زعيم الحوزة العلمية.

ومع أن الضجيج المدمر المصاحب للحرب يرتفع لدرجة فائقة جداً، إلا أن المرجعية العليا لا تقرأ الأحداث بانفعال اللحظة أو بحماسة الشعارات المؤقتة، أو جرياً مع هذا الضجيج، بل تشرّحه بعين فاحصة تدرك مآلات التاريخ وتزن الأمور بميزان البقاء والفناء. 

في الحروب الكبرى، لا تقتصر المواجهة على أزيز الرصاص، وشظايا الصواريخ الفرط صوتية والانشطارية، بل تتجلى البراعة في القدرة على إدارة الأزمة وحماية العمق الاستراتيجي للأمة من الانهيار، وهو تماماً ما يجسده المرجع الأعلى السيد علي السيستاني في مقاربته العميقة للحروب الإقليمية الدائرة.

في تقديري الشخصي، لا أرى نظرة السيد السيستاني إلى هذه المواجهة  إلا من منظار دقيق يتمثل في حفظ بيضة الإسلام ودفع التهديد الوجودي الأكبر. يمكنني أن أطلق عليها وصف "عقيدة" وهي متجذرة في أدبيات حوزة النجف الأشرف، إذ تترفع عن الانجرار إلى الانفعال العسكري المباشر أو الخطابات التعبوية العاطفية، لتتخذ مسار الرعاية الأبوية. 

تدرك المرجعية بوعي استراتيجي وازن واحد، أن تحويل العراق بكامل ثقله إلى ساحة اشتباك ناري مفتوح، سيفضي إلى تدمير المركز الأهم للتشيع والعمق الآمن للمسلمين. لذا اتجهت بيانات مكتبه المتعاقبة، منذ بدء التدمير الممنهج في غزة وصولاً إلى الاجتياح اللبناني والتهديدات الحالية، نحو مسارات محكمة، ركزت على إدانة الصمت العالمي، تعرية الوحشية الصهيونية، والتحذير الصارم من إبادة الشعوب.

يمكنني أن أزعم، أن المرجع الأعلى يمارس سياسة الردع الناعم والإسناد المطلق، فهو لا يوجه بفتح جبهات عسكرية داخلية قد تحرق الجسد العراقي، بل يصدر أوامره العليا بتحويل جهد المؤسسات المنبثقة من الدين والعتبات المقدسة إلى مظلة أمان تستوعب ارتدادات الحرب.

ترجمةً لهذه الرؤية، شكلت العتبة الحسينية منصة الإغاثة الأكبر والأكثر تعقيداً في مسار الأزمة. فبتوجيهات مباشرة من المتولي الشرعي وممثل السيد السيستاني الشيخ عبد المهدي الكربلائي، أُعلن ما يشبه حالة الطوارئ الإنسانية القصوى. ولم يقتصر الأمر على فتح مستشفيات كربلاء التخصصية لاستقبال آلاف الجرحى والمصابين عبر جسور إخلاء طبي برية وجوية، بل تحولت مدن الزائرين إلى محطات سكن متكاملة للنازحين الذين أُطلق عليهم وصف ضيوف العراق، مع تكفل العتبة بكافة المتطلبات المعيشية، وصولاً إلى التنسيق لتأسيس مسارات تعليمية ومدارس خاصة للطلبة الوافدين. وعلى جبهة الخارج، اخترقت قوافل العتبة الحصار لتسير آلاف الأطنان من الأدوية والمستلزمات إلى غزة بالتنسيق مع الهلال الأحمر، مؤسسةً في الوقت ذاته مراكز إيواء وتوزيع سلال غذائية في سوريا لدعم النازحين من جنوب لبنان.

على الجانب الآخر، اتخذت العتبة العباسية مساراً إغاثياً شديد التنظيم. ومع مطلع نيسان من هذا العام 2026، ووفقاً لأحدث المعطيات الميدانية، تسجل مقرات العتبة توافداً تاريخياً للمواطنين لتقديم التبرعات المالية والعينية والذهب، في ملحمة تلاحم لدعم الشعبين اللبناني والإيراني في مواجهة آلة الحرب. لقد سيرت العتبة قوافل إغاثية ضخمة ومتتالية، وثبتت مستشفيات ميدانية في سوريا ولبنان تمكنت من تقديم الرعاية الطبية لعشرات الآلاف من المتضررين.

وفي خضم هذا الجهد اللوجستي الهائل، تبرز الحاجة الماسة للتأمين والحماية وضمان انسيابية حركة القوافل في المناطق الصحراوية والحدود المشتعلة. وهنا يتكامل العمل المؤسسي مع الجهد الميداني والأمني الصارم الذي اضطلعت به فرقة العباس القتالية، حيث توفر تشكيلات الفرقة الغطاء الأمني والمواكب الساندة لضمان وصول قوافل الإغاثة إلى مقاصدها بأمان تام، رافعةً معنويات كوادر الإغاثة في خطوط التماس.

هذه الهبة الإغاثية لم تقف عند حدود النجف وكربلاء، بل اتسع لتتحول العتبتان الكاظمية والعسكرية في بغداد وسامراء، ومواكب الدعم اللوجستي المرتبطة بهما، إلى خلايا عمل كبرى لجمع التبرعات وتجهيز الخيام والمواد الإغاثية. لقد تضافرت هذه الجهود لتشكل مجتمعةً جداراً إنسانياً عراقياً صلباً، يصد الانهيار المعيشي التام عن دول محور المواجهة.

لقد اختارت المرجعية العليا في النجف الأشرف، بوعي أن تكون رئة ومظلة الإمداد التي لا غنىً عنها في هذه الحرب.

يدرك السيد السيستاني أن صمود الجبهات المشتعلة يحتاج إلى شريان حياة.. شريان تكفلت العتبات المقدسة بمدّه، محولةً أموال التبرعات والتوجيهات المرجعية إلى أسلحة صمود وبقاء تفوق في أثرها الميداني الكثير من القرارات السياسية.

التعليقات