بدأ البابا ليو، بابا الفاتيكان، اليوم السبت، جولة رسمية ممتدة في إسبانيا تستغرق أسبوعاً، مستهلاً إياها بخطاب حذر فيه قادة العالم من تقسيم مجتمعاتهم بالاعتماد على "تبسيطات عقيمة" للمسائل المعقدة لكسب الشعبية، مع دعوتهم للإصغاء إلى نداءات السلام العالمية.
وفي تصريحات تابعها كلمة الإخباري، أدلى بها البابا خلال كلمته الموجهة إلى العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس في القصر الملكي بمدريد، قال البابا "إغراء كسب الشعبية عبر تأجيج الاستقطاب يبدو اليوم في تزايد، لا في تراجع، فيما يستمر انتهاك الكرامة الإنسانية"، مضيفاً "أدعو الجميع إلى التخلي عن الخطابات التي تغذي الانقسام والاستقطاب في واقعكم الاجتماعي وتاريخكم، والتغلب على التبسيطات العقيمة من خلال تقدير مثمر لمدى تعقيد الأمور".
وحمل البابا ليو التكنولوجيا جانباً من المسؤولية عن تضخيم الأحكام المسبقة وإضعاف مهارات التفكير النقدي لدى الأفراد، مستشهداً بالتاريخ الإسباني كأحد الأمثلة البارزة على التعايش السلمي المشترك بين الأديان والثقافات، ولا سيما نموذج التعاون التاريخي بين المسلمين والمسيحيين واليهود خلال العصور الوسطى في مدرسة طليطلة للمترجمين لتطوير المعرفة الإنسانية عبر ترجمة النصوص العربية إلى اللاتينية والإسبانية والعبرية، مبيناً أن "تاريخكم يظهر أن ثقافة التلاقي، لا المواجهة، هي التي تعزز الاستقرار والازدهار".
وكان البابا، الذي يعد أول حبر أعظم من القارة الأمريكية يتولى الكرسي الرسولي، قد أعرب قبل هبوطه في إسبانيا عن أمله في أن تمثل هذه الزيارة نموذجاً عالمياً لاحترام الكرامة الإنسانية لكل فرد. وقد زار مأوى للمشردين تديره الكنيسة في مدريد واستمع لقصص استقرار المهاجرين، مع التخطيط للقاء مهاجرين آخرين في جزر الكناري؛ وهي التحركات التي تأتي في وقت أثارت فيه مواقف البابا المنددة بالسياسات المناهضة للهجرة والحرب على إيران استياء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتأتي هذه الزيارة، وهي الأولى لبابا الفاتيكان إلى إسبانيا منذ عام 2011، بالتزامن مع قفزة واضحة في نسبة الشباب الكاثوليك الإسبان التي سجلت 28.8% في عام 2025 مقارنة بـ17.6% في عام 2020، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة "إس.إم". وقد استقبلت الحشود الغفيرة البابا في شوارع العاصمة، حيث قالت الشابة بيرلا جارسيا، البالغة من العمر 15 عاماً: "عندما أرى البابا يلوح بإشارة '6-7' (وهي علامة منتشرة بين الشبان)، أشعر أنه قريب منا ومألوف. أعتقد أنه سيكون هناك مزيد ومزيد من الكاثوليك بسببه".
وتبرز هذه الزيارة كواليس التباين مع سياسات واشنطن بقيادة ترامب، حيث تتبنى الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانتشيث برنامج عفو شامل يتيح لقرابة 500 ألف مهاجر تسوية أوضاعهم القانونية.
ومازح البابا الحضور أثناء رحلته من روما بالإشارة إلى منافسته للمغني البورتوريكي "باد باني" على استقطاب اهتمام فئة الشباب، حيث تتزامن الزيارة مع حفلات موسيقية للأخير تستمر 10 أيام في ملعب ميتروبوليتانو بمدريد، في حين سيلتقي البابا بالشبان في الساحة الخارجية لملعب سانتياجو برنابيو.
ومن المقرر أن يلقي البابا ليو أكثر من 20 خطاباً في جولته التي تمتد من 6 إلى 12 يونيو حزيران الجاري، ليكون أول بابا يخاطب البرلمان الإسباني، إلى جانب تدشين برج جديد في كنيسة "ساجرادا فاميليا" ببرشلونة، وعقد لقاء مرتقب مع ضحايا اعتداءات جنسية ارتكبها رجال دين كاثوليك في إسبانيا، والتي قدر تقرير لمفوض حقوق الإنسان الإسباني صدر عام 2023 أعدادهم بمئات الآلاف على مدار العقود الماضية. وبدوره، أقر الملك فيليبي في كلمة ترحيبية بمعاناة الضحايا، مؤكداً أن "وضوح البابا وحزمه... ضروريان في عملية التعافي والتعويض عن الضرر الذي لحق بهم".
المحرر: حسين صباح