الثلاثاء 21 جمادى الأول 1448هـ 3 نوفمبر 2026
موقع كلمة الإخباري
مفاوضات أميركية إيرانية محمومة: الرقص على حافة الحرب
محمد صالح صدقيان
كاتب ومحلل سياسي
2026 / 11 / 03 65
0

في اللحظة التي كانت فيها واشنطن وتل أبيب تراهنان على أن الضربات العسكرية ستُحدث شرخًا قاتلًا في بنية النظام الإيراني، صمدت طهران. لم تسقط، ولم تنهَرْ مؤسساتها الأمنية والعسكرية والسياسية، ولم تتحول الاحتجاجات الداخلية إلى انتفاضة تطيح بالنظام، كما كان يُخطط له في بعض الغرف المغلقة. 

بعد أشهر من حرب الأيام الاثني عشر (2025) وما تلاها من تصعيد وصولاً إلى حرب 28 شباط/فبراير 2026 المستمرة حتى يومنا هذا، ولو بوتائر مختلفة، بات واضحًا أن مشروع «تغيير النظام» قد فشل في تحقيق هدفه الأقصى، لتتحول المعادلة من محاولة إسقاط النظام إلى محاولة احتوائه. 

وقد شهدت الأيام الأخيرة، حركة تفاوضية محمومة بين طهران وواشنطن، تعددت مسارحها، لكن العاصمة القطرية كانت الأكثر نشاطاً وحضوراً، تتشارك معها في المساعي الدبلوماسية، عواصم عدة، لعل أبرزها مسقط وموسكو وبكين واسلام آباد. 

وفي الساعات الأخيرة، عاد المفاوض الإيراني مجيد تخت روانجي، من الدوحة إلى طهران من دون تحقيق اختراق كبير في المفاوضات المستعصية التي تخوضها طهران مع واشنطن، على خلفية الرسالة التي أرسلها جي. دي. فانس، نائب الرئيس الأميركي، إلى أمين مجلس الأمن القومي الإيراني الجنرال محسن رضائي، والتي اقترح فيها استئناف المفاوضات مع طهران في إطار جديد، للحصول على موافقة الرئيس دونالد ترامب والعدول عن مهاجمة إيران، كما قال فانس. الرسالة التي تسلّمتها طهران تحمل الكثير من الدلالات؛ وأولها لماذا أُرسلت إلى رضائي ولم تُرسل إلى كبير المفاوضين رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي التقاه فانس في إسلام آباد ثم في سويسرا واتفق معه على مضمون «مذكرة التفاهم» التي وقّع عليها الرئيسان الإيراني مسعود بزشكيان والأميركي دونالد ترامب؟ أما ثاني الدلالات فيتعلق بالتوقيت؛ ماذا يعني أن يُوجّه نائب الرئيس الأميركي مثل هذه الرسالة عشية الانتخابات النصفية الأميركية، خصوصًا أن جميع التكهنات كانت تشي حتى الأمس القريب ببدء العد العكسي لشن الهجوم الأميركي ضد إيران؟ وثالث الدلالات يتعلق باللغة التي تضمنتها الرسالة والتي قال عنها رضائي بأنها كانت تحمل نبرة جديدة من جانب الأميركيين. رابع الدلالات يتصل باختيار الدوحة قناة لتوجيه الرسالة لطهران. خامس الدلالات هو إصرار الأميركيين على تحقيق “إنجاز ما” في الملف النووي الإيراني. 

واستنادًا إلى مصادر مواكبة، فإن طهران ردّت بعد خمسة أيام على الرسالة التي تسلّمتها من الوسيط القطري. وحسب المصادر ذاتها، فإن فانس اقترح إجراء مفاوضات «مباشرة» بين الجانبين لتسوية النزاع بشكل أسرع، على أن يكون الملف النووي الإيراني على طاولة المفاوضات التي وُضع لها سقف زمني، لتبدأ أمس (الاثنين) في الدوحة. وتقول طهران إنها تعاملت بإيجابية مع الرسالة المذكورة، وتمت مناقشتها على مستويات رفيعة في النظام، وتحديدًا من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يرأسه الرئيس بزشكيان، ويضم في عضويته كبار القادة العسكريين والأمنيين والمسؤولين السياسيين. لم تكتفِ طهران بذلك، بل أرسلت المفاوض مجيد تخت روانجي إلى الدوحة لمتابعة المشاورات مع الوسيط القطري، الذي كان على اتصال دائم مع واشنطن، سواء في طهران أو الدوحة. لكن اللافت للانتباه أن الاجتماع بين طهران وواشنطن لم يُعقد كما كان مقررًا أمس (الاثنين)، بسبب تعنّت الجانب الأميركي وإصراره على تنفيذ طهران التزاماتها بفتح مضيق هرمز، والقبول بتحويل كمية اليورانيوم المخصّب بنسبة مرتفعة، قبل أي شيء آخر. وتزامن هذا الإصرار مع دخول صيني وروسي استثنائي على ملف المفاوضات، وكان لافتاً للانتباه الاتصال الذي جرى بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والجنرال رضائي، فيما كان وزير الخارجية الصيني وانغ يي يُبلّغ نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي باقري كني، دعم بلاده لطهران في حماية سيادتها وأمنها. وجاء اللقاء بعد ساعات قليلة من وصول سلطان عُمان هيثم بن طارق إلى الصين. 

مساران وعقليتان وخطان متوازيان وهذه ليست المرة الأولى التي تفشل فيها المفاوضات. فقد فشلت عام 2025، عندما أعطى الرئيس ترامب الضوء الأخضر لنتنياهو، في 12 حزيران/يونيو، لشن هجوم على إيران قبل ساعات من موعد الجولة السادسة التي كان من المقرر عقدها في سلطنة عُمان. وفشلت مرة أخرى بعد تعثّر المفاوضات التي قادها وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في مسقط وجنيف، لكنها اصطدمت بقرار كان قد اتخذه ترامب مع نتنياهو بشن حرب في 28 شباط/فبراير الماضي، أي بعد يومين من اجتماع جنيف التفاوضي! ومرة ثالثة، عندما قرر ترامب إنهاء العمل بمذكرة التفاهم التي وقّعها مع نظيره الإيراني في 17 حزيران/يونيو الماضي. أما المرة الرابعة، فهي الراهنة، (التي أتمنى ألّا تقع بعد انتهاء الانتخابات النصفية)، وذلك في أعقاب رفض ترامب النتائج التي توصل إليها الوسيط القطري، الذي ضغط على المفاوض الإيراني لتقديم تنازلات بغية تجنّب الحرب التي يُلوّح بشنها الرئيس ترامب. 

والحقيقة أن هناك مسارين وتصورين مختلفين في المفاوضات؛ أحدهما تلتزم به طهران، والآخر تلتزم به واشنطن، وهما مختلفان ويسيران في اتجاهين متعاكسين في المضمون والإدراك والاتجاه. 

الأول؛ يريدها مفاوضات تستند إلى إطار تفاوضي دبلوماسي، يناقش تفاصيل القضايا الشائكة من أجل التوصل إلى حل جميع القضايا واحدة تلو الأخرى؛ والثاني يريدها «شعبوية»، ووضع لها مفاوضًا يعمل في تطوير العقارات، ويعمل وفق قاعدة «Take it or leave it»، أي «إما أن تقبل بها أو ترفضها»، من دون مناقشة! وجرت عادة الإيرانيين أن لا يقبلوا لا بهذه اللغة ولا بهذا النوع من التفاوض؛ وفي المقابل، ثمة رئيس للولايات المتحدة لا يرغب بالخوض في التفاصيل، بل يريد صفقة عنوانها إعادة فتح مضيق هرمز بأسرع وقت ممكن. إنه يقول ضمناً: «أعطوني ما أريد (فتح المضيق)، وسوف أفكر لاحقاً في ما تريدون الحصول عليه”! هاتان المقاربتان تجعلا الطرفين، كلٌّ يغني على ليلاه في الجولات والاجتماعات التي عُقدت في مسقط والدوحة واسلام آباد وجنيف وروما منذ نيسان/أبريل 2025 حتى الآن. هما خطّان مستقيمان متوازيان لا يلتقيان. فلا طهران استطاعت أن تقنع واشنطن بضرورة تغيير المسار الشعبوي من أجل التوصل إلى اتفاق، ولا واشنطن نجحت في الضغط على طهران لتغيير سلوكها التفاوضي الدبلوماسي التفصيلي والقبول بالأمر الواقع، حتى بعد اغتيال المرشد الإيراني الأعلى في نهاية شباط/فبراير الماضي! أما الوسطاء، فقد علقوا بين هذا وذاك، لأنهم كانوا أمام مشكلة إدراكية بين الجانبين. 

في ظل هذه الأجواء، يسود الترقّب لما يحدث وما يُراد أن يحدث بعد الانتخابات النصفية التي ستجري اليوم (الثلاثاء). فهل الحرب واقعة لا محالة يوم غد الأربعاء، أو “خلال الأيام الثلاثة المقبلة”، كما تقول المصادر؟ 

الاعتقاد السائد أن الحرب، إن وقعت، فإنها لن تكون أشد من الحرب التي وقعت في 28 شباط/فبراير، والتي استمرت 39 يومًا، حتى وإن استُخدمت فيها «أم القنابل» لتدمير جبل الفأس الذي يضم منشأة نووية غير مكتملة. 

المعلومات تقول إن بنك الأهداف الأميركي يشمل شخصيات قيادية عسكرية وسياسية، إضافة إلى أهداف نفطية ومدنية تُقدّر بالعشرات، فيما يتحدث الإيرانيون عن بنك أهداف يشمل حاملة طائرات وقطعًا عسكرية ومنشآت ومصالح وأصول أميركية مادية وغير مادية تُستهدف بشكل فوري وقاطع، ومن دون قيود جغرافية، كما تضمنت توجيهات المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي خلال لقائه قادة القوات المسلحة، قبل نهاية الأسبوع الماضي. 

الآن، السؤال: كيف ستسير التطورات؟ لا أريد التقليل من أهمية الحرب وتداعياتها ونتائجها، لأنها حرب في نهاية المطاف، لكنها، على الأرجح، لن تنجح في إسقاط النظام، ولا في إحداث فوضى داخلية بسبب عوامل متعددة. لكن إيران، بعد ذلك، سوف تكون عبئًا ثقيلًا على أهل المنطقة كما على المصالح الأميركية، ولن تنعم هذه المنطقة بالأمن والاستقرار حتى تزول العوامل التي أسهمت في خلق مثل هذه الأجواء غير المريحة للجميع.

التعليقات