عاد ملف حذف الأصفار من الدينار العراقي إلى الواجهة خلال الأشهر الأخيرة، وسط تداول أنباء عن قرب تغيير العملة أو استبدالها، إلا أن المعطيات الرسمية المتاحة حتى 17 آب 2026 لا تشير إلى وجود قرار نافذ أو إجراء تنفيذي وشيك بهذا الشأن.
وتؤكد المعطيات الرسمية، بحسب متابعة كلمة الإخباري ، أن البنك المركزي العراقي هو الجهة المخولة قانوناً بإصدار العملة وتحديد فئاتها وخصائصها، فيما لم يعلن البنك عن إجراءات تنفيذية تتعلق بحذف الأصفار أو استبدال الدينار المتداول. وينص قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004 المعدل على أن للبنك وحده حق إصدار العملة، كما يمنحه صلاحية تحديد فئات الأوراق النقدية والمسكوكات ومقاييسها وتصاميمها.
وفي حزيران الماضي، نفى المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي وجود أي توجه حكومي لتغيير العملة الوطنية أو حذف ثلاثة أصفار من الدينار، مؤكداً أن الأنباء المتداولة بهذا الشأن لا تستند إلى قرارات رسمية، فيما وصف الوضع المالي آنذاك بأنه أزمة سيولة مؤقتة وليست أزمة مالية هيكلية. (الوثيقة)
كما أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، في تموز الماضي، عدم وجود قرار رسمي بحذف الأصفار، موضحاً أن تنفيذ مثل هذا الإجراء يحتاج إلى ظروف اقتصادية مواتية واستعدادات واسعة في الأنظمة المصرفية.
ويعني حذف الأصفار، في حال اتخاذ قرار بتطبيقه مستقبلاً، إعادة تسمية القيم النقدية بوحدات أصغر من دون تغيير القيمة الحقيقية للأموال. فعلى سبيل المثال، إذا حُذفت ثلاثة أصفار، فإن مبلغ 25 ألف دينار سيصبح 25 ديناراً بالوحدة الجديدة، على أن يجري تحويل الأسعار والأجور والمدخرات والديون بالنسبة نفسها.
وبذلك لا يؤدي حذف الأصفار بحد ذاته إلى زيادة القوة الشرائية للمواطن أو رفع القيمة الحقيقية للثروة، وإنما يهدف بصورة أساسية إلى تبسيط التعاملات والحسابات وتقليل حجم الأرقام المستخدمة في الأسعار والموازنات والمعاملات المالية. ويصف مختصون اقتصاديون الإجراء بأنه إداري وتنظيمي أكثر من كونه أداة لرفع الأداء الاقتصادي بصورة مباشرة.
وتظهر صعوبة تطبيق الإجراء في الجانب التشغيلي، إذ يتطلب انتقالاً منظماً بين العملتين القديمة والجديدة، وتحديث الأنظمة المصرفية والمحاسبية وأجهزة الدفع والصرافات الآلية، فضلاً عن تحديد آليات الاستبدال والفترة الزمنية التي يسمح خلالها بتحويل العملة القديمة إلى الجديدة.
ويمنح قانون البنك المركزي البنك صلاحية اتخاذ قرار باستبدال العملات النقدية وإصدار عملات أخرى مساوية لها في القيمة، مع تحديد الفترة الزمنية ومواقع الاستبدال، كما ينص على إلغاء صفة العملة الرسمية عن الأوراق المسحوبة بعد انتهاء فترة الاستبدال المحددة.
أما الربط بين حذف الأصفار ومكافحة الأموال غير المشروعة أو المكتنزة، فيستند إلى فكرة أن الانتقال إلى عملة جديدة خلال فترة استبدال محددة يمكن أن يوفر فرصة أكبر لتدقيق حركة الأموال ومصادرها، لكنه لا يجعل حذف الأصفار بحد ذاته أداة مستقلة لمكافحة غسل الأموال أو استرداد الأموال المنهوبة.
وتبقى معالجة الأموال غير المشروعة مرتبطة بالمنظومة القانونية والرقابية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبقدرة المصارف والجهات الرقابية على تتبع العمليات المالية والتحقق من مصادر الأموال.
وفي المقابل، يحذر مختصون من التعامل مع حذف الأصفار باعتباره علاجاً لأزمات السيولة أو الاختلالات الاقتصادية، لأن الإجراء لا يعالج أسباب التضخم أو العجز أو ضعف الثقة بالقطاع المصرفي بصورة تلقائية. كما أن نجاحه يتطلب استقراراً نقدياً ومالياً، ونظاماً مصرفياً قادراً على استيعاب عملية التحول، إضافة إلى استعداد تقني وتشريعي واسع.
ويعمل البنك المركزي حالياً على برنامج إصلاحي يركز على تعزيز الاستقرار النقدي والمالي وتطوير القطاع المصرفي ورفع مستوى اندماجه في النظام المالي العالمي، مع تأكيده استمرار سياسته الرامية إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف.
كما نفى البنك في حزيران الماضي بشكل قاطع الأنباء المتعلقة بتغيير سعر صرف الدينار، وحذر من تداول وثيقة مزورة زعمت وجود طلب حكومي لتعديل سعر الصرف، داعياً إلى اعتماد المعلومات الصادرة عن مصادره الرسمية.
وعليه، فإن الحديث المتداول عن حذف الأصفار لا يعني وجود تغيير وشيك للعملة في الأسواق، بل إن الملف ما زال في نطاق النقاشات والأفكار الاقتصادية التي طُرحت سابقاً، من دون إعلان رسمي عن بدء تنفيذها. وأي انتقال فعلي إلى عملة جديدة سيكون بحاجة إلى إجراءات معلنة من البنك المركزي، وأطر قانونية وتنظيمية واضحة، وخطة زمنية محددة لإدارة عملية الاستبدال.
المحرر: حسين صباح