الاثنين 6 جمادى الأول 1448هـ 19 أكتوبر 2026
موقع كلمة الإخباري
الوطنية الحقيقية بين ثوابت الدين ومتطلبات الدولة
حسن الهاشمي
كاتب وصحافي عراقي
2026 / 10 / 19
0

تُعدّ الوطنية من المفاهيم التي تتجاوز حدود الشعارات والهتافات، فهي موقف أخلاقي ومسؤولية اجتماعية، تتجلى في حفظ مصالح البلاد، وصيانة كرامة أبنائها، والدفاع عن حقوقهم، والعمل على بناء مستقبلهم، غير أنّ هذا المفهوم قد يتعرض للتشويه حين يُختزل في انتماء ديني أو مذهبي أو سياسي، أو حين تُتخذ الاختلافات الفكرية ذريعةً للتشكيك في ولاء المواطنين بعضهم لبعض.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تُقاس وطنية الإنسان بانتمائه الديني، أم بمدى إخلاصه لوطنه والتزامه بمصالح شعبه؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال تستلزم التمييز بين هوية الإنسان الدينية، التي تمثل منظومته الاعتقادية والأخلاقية، وبين مسؤوليته الوطنية، التي تفرض عليه احترام حقوق الآخرين، والمحافظة على المال العام، والإسهام في استقرار المجتمع وازدهاره.

هل حبّ الوطن يتعارض مع الإيمان؟ كلا، فحبّ الوطن بمعنى محبة الأرض التي يعيش فيها الإنسان، والحرص على أمنها واستقرارها، وخدمة أهلها، والعمل على إصلاحها، لا يتعارض مع الإيمان، بل يمكن أن يكون من مصاديق المسؤولية الأخلاقية والدينية، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة الى النقاط التالية:

أولاً: الانتماء الديني قيمة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للإقصاء

يمثل الدين لدى المؤمن منظومةً من القيم والمبادئ التي توجّه سلوكه وتحدد علاقته بربه وبالناس، وقد يدفعه التزامه الديني إلى الصدق والأمانة والعدل والإحسان، وهي قيم تشكل أساساً مهماً لبناء المجتمع الصالح، وقد أكد القرآن الكريم أنّ اختلاف الانتماءات لا يبرر الظلم أو الانتقاص من حقوق الآخرين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الحجرات: 13. فالآية الكريمة تجعل التقوى معياراً للكرامة عند الله، وتؤكد في الوقت نفسه أنّ اختلاف الشعوب والقبائل واقع إنساني غايته التعارف، لا التنازع والإقصاء.

ومن الخطأ أن يتحول الانتماء الديني إلى امتياز وطني يمنح بعض المواطنين حق احتكار الوطنية، أو إلى وسيلة لتصنيف الآخرين في مراتب متفاوتة من الولاء، فالإيمان مهما بلغت مكانته في وجدان صاحبه، لا يبرر سلب حقوق الآخرين أو التشكيك في إخلاصهم لمجرد اختلافهم معه في الدين أو المذهب أو الرؤية الفكرية.

إنّ قيمة الانتماء الديني تظهر في أثره الأخلاقي والعملي، لا في مجرد رفع شعاراته؛ فالتدين الذي لا ينعكس عدلاً وأمانةً ورحمةً وصيانةً لحقوق الناس يفقد جانباً مهماً من أثره التربوي والاجتماعي.

ثانياً: الولاء الوطني مسؤولية تتجاوز الشعارات

الوطن ليس مجرد أرض يعيش عليها الإنسان، بل هو فضاء مشترك تتعلق به حياة المواطنين وحقوقهم ومصالحهم ومستقبل أبنائهم، ولذلك فإنّ الولاء الوطني لا يُختبر في الكلمات وحدها، وإنما في المواقف التي تكشف حقيقة العلاقة بين الإنسان ووطنه، فمن يحافظ على المال العام، ويرفض الفساد، ويصون حقوق المواطنين، ويؤدي مسؤولياته بإخلاص، ويسهم في حماية السلم الأهلي، يقدّم دليلاً عملياً على شعوره بالمسؤولية الوطنية، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا) النساء: 58. أداء الأمانة أساس في المسؤولية العامة وحفظ الحقوق.

أما من يتخذ الوطن غطاءً لمصالحه الخاصة، أو يستغل موقعه للاستيلاء على المال العام، أو يبرر الظلم بحجة الانتماء الديني أو المذهبي أو الحزبي، فإنّ سلوكه يناقض مقتضيات الأمانة الوطنية، مهما أكثر من الحديث عن حب الوطن، وفي هذا السياق، يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر: (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعًا ضَارِيًا تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ) وتكشف هذه الوصية عن مبدأ أخلاقي مهم في إدارة شؤون المجتمع، وهو أنّ السلطة مسؤولية لخدمة الناس، وليست وسيلة لاستغلالهم أو الانتقاص من كرامتهم.

فالوطنية الحقيقية لا تنفصل عن العدالة، ولا تستقيم مع استباحة الحقوق، ولا تُقاس بمقدار قرب الإنسان من هذا التيار أو ذاك، بل بما يقدمه من خير لوطنه وأبنائه.

ثالثاً: هل يتعارض الانتماء الديني مع الولاء الوطني؟

قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الحجرات: 13. الكرامة عند الله مرتبطة بالتقوى، لا بمجرد الانتساب الاجتماعي، ليس من الضروري أن يكون الانتماء الديني والولاء الوطني في حالة تعارض؛ إذ يمكن أن يشكل الدين دافعاً أخلاقياً لخدمة الوطن، وأن يكون الولاء الوطني إطاراً جامعاً لتنظيم العلاقة بين المواطنين على أساس الحقوق والواجبات المشتركة، غير أنّ التعارض قد ينشأ حين يُساء فهم أحد الانتماءين أو يُوظف لتبرير تجاوزات لا يقرّها العدل.

فقد يرفع شخص شعار الدين لتبرير استئثاره بالسلطة أو المال العام، وقد يرفع آخر شعار الوطنية لإقصاء المتدينين أو الانتقاص من حقهم في التعبير عن هويتهم، وفي الحالتين تتحول الهوية إلى أداة للصراع بدلاً من أن تكون جزءاً من البناء الاجتماعي.

والصحيح أن يُحكم على المواقف من خلال مضمونها وآثارها، لا من خلال الشعارات التي تُرفع لتبريرها، فلا يكفي أن يدّعي الإنسان أنّه يخدم الدين أو الوطن؛ بل ينبغي أن يُسأل: هل يحفظ حقوق الناس؟ هل يلتزم القانون العادل؟ هل يرفض الفساد؟ هل يقبل التعايش مع المختلفين عنه؟ وهل يقدّم المصلحة العامة على مصلحته الخاصة؟ إنّ هذه الأسئلة أكثر قدرة على كشف حقيقة الموقف من الاكتفاء بالانتماءات المعلنة.

رابعاً: المواطنة لا ينبغي أن تكون امتيازاً تمنحه الجماعات

من أخطر مظاهر الخلل الاجتماعي أن تتحول الوطنية إلى شهادة تمنحها جماعة لجماعة أخرى، أو إلى لقب تحتكره فئة وتمنعه عن سواها، فالمواطن لا يفقد حقه في الانتماء إلى وطنه لمجرد اختلافه الديني أو المذهبي أو السياسي، كما لا يكتسب حصانة من المساءلة لمجرد انتسابه إلى جماعة دينية أو وطنية أو حزبية تدّعي تمثيل المصلحة العامة، قال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) المائدة: 8. الاختلاف والعداوة لا يبرران التخلي عن العدل.

إنّ المواطنة العادلة تقتضي أن تكون الحقوق الأساسية مصونةً للجميع، وأن تُحدد المسؤوليات وفق القانون، وأن يخضع الجميع للمساءلة العادلة من دون تمييز، وهذا لا يعني أن تتساوى جميع المواقف في قيمتها الأخلاقية، أو أن يُعفى الأفراد من مسؤولية أفعالهم، بل يعني أن يكون الحكم على الأفعال قائماً على أدلة ومعايير عادلة، لا على الهوية وحدها، ومن هنا، فإنّ الدفاع عن الوطن لا يبرر ظلم المختلف، كما أنّ الاختلاف الديني لا يبرر إسقاط حق المواطن في الكرامة والمشاركة في الحياة العامة.

خامساً: العراق نموذج لاختبار الوعي الوطني

في العراق، حيث تتعدد الانتماءات الدينية والمذهبية والقومية والسياسية، تزداد الحاجة إلى فهم الوطنية بوصفها رابطةً جامعة لا تلغي الهويات الخاصة، وإنما تنظم التعايش بينها في إطار المصالح المشتركة، فلا يجوز أن تتحول الطائفة إلى بديل عن الوطن، ولا الحزب إلى معيار لتحديد استحقاق المواطن، ولا الانتماء الديني إلى وسيلة لاحتكار القرار العام أو المال العام.

كما لا يصح أن يُطلب من المواطن التخلي عن هويته الدينية كي يثبت وطنيته؛ فالمطلوب هو أن يترجم انتماءه إلى سلوك يحترم الآخرين، وأن يلتزم بمسؤولياته الوطنية، وألا يجعل اختلافه مع أبناء وطنه مبرراً للعداء أو الإقصاء.

إنّ بناء الدولة العادلة يتطلب مؤسسات تحمي الحقوق، وقانوناً يطبق على الجميع، وإدارةً تصون المال العام، وثقافةً ترفض الفساد والمحسوبية، وتؤمن بأنّ كرامة المواطن لا تُقاس بمدى قربه من أصحاب النفوذ، وعندما يشعر المواطن بأنّ حقوقه محفوظة، وأنّ فرصه لا تتوقف على مذهبه أو حزبه أو علاقاته، يصبح الانتماء الوطني أكثر رسوخاً، لأنّ الدولة عندئذ لا تطلب الولاء بالشعارات، بل تعززه بالعدل والثقة والإنصاف.

الوطنية سلوك قبل أن تكون هوية

إنّ السؤال عن معيار الوطنية لا ينبغي أن يتحول إلى مفاضلة مطلقة بين الدين والوطن، فكلاهما قد يحتل مكانة مهمة في وجدان الإنسان، لكن العلاقة بينهما تُختبر في الممارسة والنتائج، قال تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) الأعراف: 85. تحريم الانتقاص من حقوق الناس، وهو مبدأ مهم في المواطنة العادلة.

فالانتماء الديني لا يمنح صاحبه تفويضاً لاحتكار الوطنية، والولاء الوطني لا يقتضي إلغاء الهوية الدينية، وإنما المعيار الأهم في الحياة العامة هو احترام الحقوق، والوفاء بالواجبات، وصيانة المال العام، ورفض الظلم والفساد، والعمل من أجل المصلحة المشتركة، وبذلك، لا تكون الوطنية ادعاءً يرفعه الإنسان ليحاكم به الآخرين، بل مسؤوليةً يحملها في سلوكه ومواقفه، ولا يكون الدين وسيلةً لإقصاء المختلف، بل دافعاً إلى العدل والإحسان، ولا يكون الوطن ملكاً لفئة دون أخرى، بل بيتاً مشتركاً يصان بالإنصاف والتعاون.

فالوطنية لا تثبت بمجرد ما يعلنه الإنسان عن هويته، بل بما يقدمه من عدل وأمانة وخير، والدين لا يُقاس بكثرة الشعارات، بل بما يتركه من أثر في سلوك صاحبه، وحين يصبح العدل معيار التعامل، والمواطنة أساس الحقوق، والأمانة ميزان المسؤولية، يغدو اختلاف الانتماءات مصدر غنى للمجتمع، لا ذريعةً لتمزيقه. 

التعليقات